محمد بن جرير الطبري

256

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ماتوا ، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به قال : هم المشركون بغوا على النبي ( ص ) ، فوعده الله أن ينصره ، وقال في القصاص أيضا . وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم ، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر ، فأبى المشركون ذلك ، وقاتلوهم فبغوا عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم ، فأنزل الله هذه الآية : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه بأن بدئ بالقتال وهو له كاره ، لينصرنه الله . ( وقوله : إن الله لعفو غفور يقول تعالى ذكره : إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحق ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ) * . يعني تعالى ذكره بقوله : ذلك هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي ، لأني القادر على ما أشاء . فمن قدرته أن الله يولج الليل في النهار يقول : يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار ، فما نقص من هذا زاد في هذا . ويولج النهار في الليل ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل ، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا ، وبالقدرة التي يفعل ذلك ينصر محمدا ( ص ) وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم . وأن الله سميع بصير يقول : وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول لا يخفى عليه منه شئ ، بصير بما يعملون ، لا يغيب عنه منه شئ ، كل ذلك منه بمرأى ومسمع ، وهو الحافظ لكل ذلك ، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه . القول في تأويل قوله تعالى :